حسناء ديالمة
269
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
الباعثة على نيل المنافع المادية وتحسين الحياة وأما المكارم فهي معيار الإنسانية ، وبها يستقيم الطبع ، وتزكو النفس ، ويسمو الروح . ولأن الإمام الصادق عندما يتكلم عن الأخلاق الحسنة بمعناها الجامع الشامل لبيان أهميتها وقيمتها في التعاليم الإسلامية ، يعبّر عنها بحسن الخلق ، وعمّا يقابلها بسوء الخلق . وعندما كان الإمام يريد توجيه الناس إلى السمو المعنوي وكمال النفس ليبيّن لهم القيم الإنسانية الرفيعة كان يحدّثهم عن مكارم الأخلاق كما يحدّثهم عن المحاسن دون أن يفصل بينهما ؛ لأن مدرسته لا تقتصر على الأخلاق الحسنة فحسب بل تريد أن ترقّى بالناس إلى المستوى الأعلى المثالي بالمكارم . وهذا معيار المحاسن والمكارم عند الإمام ، فقد سئل ذات مرّة : ما حدّ حسن الخلق ؟ قال : « تليّن جانبك . وتطيّب كلامك ، وتلقى أخاك ببشر حسن » « 1 » . وجاء رجل ، فقال له : يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أخبرني بمكارم الأخلاق ، فقال : « العفو عمن ظلمك . وصلة من قطعك . وإعطاء من حرمك ، وقول الحق ولو على نفسك » « 2 » . فالبشاشة والتبسم واحترام الناس وأدب الكلام وعيادة المريض وتعزية المصاب وما شابهها من صور التراحم والتودّد المطلوبة شرعا وعرفا هي من محاسن الأخلاق ، وبها تطيب الحياة ، إذ تشيع بين الناس مظاهر الفضيلة وتبادل الاحترام والأدب ، ويفيض الودّ والمحبّة على المجتمع وهذا يكاد يكون ميسورا لجميع الناس ، فكل امرئ يستطيع بالمراقبة والمران أن يتخلّق بها ليتمتع بثمارها المفيدة . أما مكارم الأخلاق ، فلا يبلغها إلا من استطاع أن يتغلب على هوى النفس ، ويحررها من أسر الشهوات . وفيها قال الإمام الصادق : « فإن استطعت أن تكون فيك ( المكارم ) فلتكن ، فإنها تكون في الرجل ولا تكون في ولده ، وتكون في ولده ولا تكون في أبيه ، وتكون في العبد ولا تكون في الحرّ . . . » « 3 » . ومن هذا المنطلق يمكن القول ، مع علماء النفس ، بأن تطبيق محاسن الأخلاق دليل على الوصول إلى مرحلة ال ( أنا ) ، والتخلق بمكارم الأخلاق دليل على الوصول إلى مرحلة ال ( أنا الأعلى ) الشامخة .
--> ( 1 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 4 ، ص 412 ، ح 5897 . ( 2 ) المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 66 ، ص 368 . ( 3 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب المكارم ، ح 1 .